ابن عبد الحكم

52

فتوح مصر والمغرب

أمرك ثم أطبقت عليهم السماء والأرض ، لجعلت لهم من بينهما مخرجا ، وإني أقسم بعزّتى لأعلّمنّهم أنه ليس لهم محيص « 1 » ولا ملجأ إلّا طاعتي واتّباع أمرى ، فلما سمع بذلك إرميا رحمهم ، وبادر إليهم فقال : إن لم تطيعوني أسركم بخت نصّر وقتلكم ، وآية ذلك أنى رأيت موضع سريره الذي يضعه بعد ما يظفر بمصر ويملكها . ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع فيه بخت نصّر سريره ، وقال : يقع كلّ قائمة من سريره على حجر منها ، فلجّوا في رأيهم ، فسار بخت نصّر إلى قومس بن لقاس ملك مصر فقاتله سنة ، ثم ظفر بخت نصّر ، فقتل قومس وسبى جميع أهل مصر ، وقتل من قتل . فلما أراد قتل من أسر منهم وضع له سريره في الموضع الذي وصف إرميا ووقعت كلّ قائمة من سريره على حجر من تلك الحجارة التي دفن ؛ فلما أتى بالأسارى ، أتى معهم إرميا . فقال له بخت نصّر : ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمنتك وأكرمتك ! فقال له إرميا : إنّما جئتهم محذّرا ، وأخبرتهم خبرك ، وقد وضعت لهم علامة تحت سريرك ، وأريتهم موضعه ؛ قال بخت نصّر : وما مصداق ذلك قال إرميا ارفع سريرك فإنّ تحت كلّ قائمة منه حجرا دفنته ، فلما رفع سريره وجد مصداق ذلك ، فقال لأرميا لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك . فقتلهم وأخرب مدائن مصر وقراها ، وسبى جميع أهلها ، ولم يترك بها أحدا حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن ؛ يجرى نيلها ، ويذهب لا ينتفع به . فأقام إرميا بمصر واتّخذ بها جنينة وزرعا « 2 » يعيش به . فأوحى إليه : إنّ لك عن الزرع والمقام بمصر شغلا ، فكيف تسعك أرض وأنت تعلم سخطي على قومك ، فالحق بإيليا حتى يبلغ كتابي أجله . فخرج منها أرميا حتى أتى بيت المقدس ، ثم إن بخت نصّر ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة ، فعمروها ، فلم تزل مصر مقهورة من يومئذ . وحدثنا أبي عبد اللّه بن عبد الحكم وأبو الأسود ، قالا : حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي قبيل عن عبد الرحمن بن غنم الأشعرىّ ، أنه قدم من الشأم إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال له عبد اللّه بن عمرو ، ما أقدمك إلى بلادنا ؟ قال : أنت ، قال : لماذا ؟ قال : كنت تحدّثنا أن مصر أسرع الأرضين خرابا ، ثم أراك قد اتّخذت فيها الرباع وبنيت فيها

--> ( 1 ) تحرفت في طبعة عامر إلى « قميص » . ( 2 ) ج « وزرعها » .